الشيخ محمد النهاوندي
605
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الآثار . وقيل : معنى الآية : تودّ وتتمنّى كلّ نفس ، يوم تجد صحائف أعمالها ، أو جزاء أعمالها ، من الخير والشّرّ حاضرة ، لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمدا بعيدا « 1 » . وقيل : المعنى : اذكروا يوم تجد كلّ نفس و ( تودّ ) حال من الضّمير في ( عملت ) أو خبر ل ( ما عملت من سوء ) . ثمّ بالغ سبحانه في التّحذير وأكّده بتكرار قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ فاحذروا سخطه وبأسه . ثمّ لتربيته الخوف والرّجاء في القلوب أردف الوعيد بالوعد ، وأعلن برأفته ، بقوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ سريع الرّضا ، وكثير الرّحمة بِالْعِبادِ المؤمنين . ويحتمل كون التّذييل به ، لبيان علّة التّحذير ، وهي الرأفة العظيمة منه بهم ، حيث يكون تحذيره كتحذير الوالد الشّفيق ولده عمّا يوبقه ويضرّه . في أن حبّ اللّه مستلزم لحبّ محبوباته ثمّ لمّا قالت اليهود والنّصارى : نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه ، أمر اللّه رسوله بردّهم بقوله : قُلْ لهم : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ كما تقولون ، فلازم حبّه طاعته والانقياد له ، وطلب القرب منه بالقيام بمرضاته ، حيث إنّ الحبّ هو ميل النّفس إلى شيء ، لإحرازها كمالا وحسنا فيه ، بحيث يحملها إلى ما يقرّبها إليه . فإن علمتم أنّ ذاته المقدّسة مستجمعة لجميع الكمالات ، بل لا كمال لأحد إلّا هو منه وبإفاضته ، فعليكم أيّها المدّعون لمحبّته أن تطلبوا رضاه وقربه بطاعته . ثمّ لمّا تبيّن لكم أنّي رسوله إليكم ، وأنّه ما من شيء يقرّبكم إليه إلّا [ و ] أنا آمركم به ، وما من شيء يبعدكم عنه إلّا وأنا ناهيكم عنه ، إذن فَاتَّبِعُونِي في ما أدعوكم إليه ، وآمركم به من الإقرار برسالتي ، والعمل بأحكامي ، فإذا فعلتم ذلك يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويرضى عنكم ، ويقرّبكم إليه . وهذا أجزل الأجور وأعظم المثوبات ، لوضوح أنّ أقصى آمال المحبّ كونه محبوبا عند حبيبه ، ولا يتحقّق إلّا بإتيان محبوباته ، وحبّ أحبّائه . ومن الواضح أنّ أحبّ النّاس إلى اللّه رسوله وخلفاؤه ، ولذا قال الصادق عليه السّلام : « هل الدّين إلّا الحبّ » « 2 » ، ومن أحبّ الرّسول وأوليائه وخلفائه ، أطاعهم وأوفق رضاهم .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 21 . ( 2 ) . الخصال : 21 / 74 ، تفسير الصافي 1 : 303 .